لم يكن فوز الأهلي على كيتارا الأوغندي بنتيجة 2-1 في ذهاب دور الـ32 من كأس الكونفدرالية الإفريقية كافيًا لإخفاء بعض علامات الاستفهام حول الفاعلية الهجومية للفريق، بعدما احتاج إلى قلب تأخره في الشوط الأول، رغم سيطرته على مجريات اللعب وصناعته عددًا من الفرص التي كان بإمكانه استغلالها مبكرًا.
وتقدم كيتارا عكس سير المباراة، بعدما أهدر الأهلي أكثر من فرصة، أبرزها رأسية منصف بقرار التي ارتدت من القائم، إلى جانب محاولات لحسين الشحات وياسين مرعي ومحمد مجدي أفشة لم تُترجم إلى أهداف. وفي الشوط الثاني، نجح عمر الساعي في إدراك التعادل، قبل أن يحسم أحمد سيد زيزو المواجهة من ركلة جزاء.
وتعيد هذه المباراة طرح سؤال مهم: هل يعاني الأهلي بالفعل أزمة في استغلال الفرص، أم أن المشكلة ترتبط بطريقة صناعة الفرص وتوزيع الأدوار الهجومية، خصوصًا أمام الفرق التي تعتمد على التكتل الدفاعي؟
الأرقام تكشف مفارقة الاستحواذ والتسجيل
تُظهر الأرقام التي تخص أداء الأهلي في دوري أورا أن الفريق سجل 9 أهداف، مقابل 2355 تمريرة، منها 1949 تمريرة ناجحة، باستثناء العرضيات والركنيات، بنسبة دقة بلغت 82.76%.
كما قدم لاعبو الأهلي 59 تمريرة مفتاحية، وهي المحاولات التي تستهدف صناعة فرص للتسجيل، فيما بلغت التمريرات الناجحة في نصف ملعب المنافس 1104 تمريرات، مقابل 873 تمريرة ناجحة في نصف ملعب الفريق.
وتكشف هذه الأرقام عن قدرة الأهلي على الاحتفاظ بالكرة ونقلها إلى مناطق المنافس، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة الأداء الهجومي أو دقة إنهاء الهجمات.
فارتفاع نسبة دقة التمرير لا يعني بالضرورة أن الفريق يصنع فرصًا محققة، كما أن الوصول المتكرر إلى نصف ملعب المنافس لا يضمن إيجاد المساحات المناسبة للتسديد.
المشكلة الأساسية التي ينبغي قياسها هي العلاقة بين الفرص التي يصنعها الأهلي والأهداف التي يسجلها.
وللوصول إلى تشخيص رقمي دقيق، نحتاج إلى معرفة عدد التسديدات، والتسديدات على المرمى، والأهداف المتوقعة (xG)، ومعدل تحويل التسديدات إلى أهداف. ومن دون هذه البيانات، لا يمكن الجزم بأن إهدار الفرص هو السبب الوحيد وراء محدودية الحصيلة التهديفية.
أمام التكتل الدفاعي.. هل يملك الأهلي الحلول الكافية؟
أظهرت مواجهة كيتارا أن السيطرة على الكرة لا تضمن التسجيل المبكر، خصوصًا عندما يواجه الأهلي فريقًا يركز على حماية مناطقه الدفاعية، ويترك لمنافسه الاستحواذ مع محاولة إغلاق المساحات أمام المهاجمين.
وفي مثل هذه المباريات، لا يحتاج الأهلي إلى زيادة عدد التمريرات بقدر حاجته إلى جعلها أكثر تأثيرًا داخل الثلث الأخير من الملعب.
فالتمريرات العرضية غير المدروسة، والتسديدات من زوايا صعبة، ومحاولات الاختراق الفردية وسط كثافة المدافعين، قد تؤدي إلى زيادة عدد الهجمات دون تحسين فرص التسجيل الفعلية.
ويحتاج الأهلي إلى تنويع أساليب اختراق دفاع المنافس، من خلال التمريرات البينية، والتحركات خلف خط الدفاع، والتبادل السريع للكرة على حدود منطقة الجزاء، إلى جانب استغلال المساحات التي تظهر عند تحرك المدافعين لمواجهة حامل الكرة.
كما أن تغيير جهة اللعب بسرعة يمكن أن يساعد في سحب المنافس إلى جانب واحد، ثم استغلال المساحة المتاحة في الجانب الآخر.
جودة الفرصة أهم من كثرة التسديدات
لا ترتبط الفاعلية الهجومية بعدد التسديدات فقط، وإنما بمدى خطورتها والظروف التي أُتيحت خلالها.
فالتسديدة من مسافة بعيدة، تحت ضغط المدافعين، تختلف في قيمتها عن فرصة ينفرد فيها المهاجم بالحارس أو يتلقى تمريرة داخل منطقة الجزاء دون رقابة مباشرة.
ولهذا، يحتاج الأهلي إلى تقييم فرصه الهجومية وفقًا لجودتها، وليس الاكتفاء بحصر المحاولات التي نفذها اللاعبون خلال المباراة.
وتقدم مؤشرات الأهداف المتوقعة (xG) وسيلة مناسبة لهذا التقييم؛ إذ تقدّر احتمالية تسجيل الهدف من كل تسديدة بناءً على عوامل، منها المسافة عن المرمى، وزاوية التسديد، وطبيعة الفرصة.
وإذا أظهرت البيانات أن الأهلي يصنع فرصًا عالية الجودة لكنه يسجل أقل من المتوقع، فستكون الأولوية لتحسين إنهاء الهجمات. أما إذا كانت قيمة الأهداف المتوقعة منخفضة، فالمشكلة تبدأ قبل التسديد، وتحديدًا في طريقة صناعة الفرص والوصول إلى مناطق الخطورة.
وفي مواجهة كيتارا، جاءت رأسية منصف بقرار التي ارتدت من القائم مثالًا على فرصة اقتربت من التحول إلى هدف، بينما عكست المحاولات الأخرى حاجة الفريق إلى مزيد من الدقة في التعامل مع الفرص المتاحة.
التمريرات المفتاحية لا تعني بالضرورة صناعة فرص محققة
سجل الأهلي 59 تمريرة مفتاحية، وهو رقم يمكن استخدامه لتقييم قدرة الفريق على إيجاد زملائه في مواقع تسمح بمحاولة التسديد.
لكن هذا المؤشر يحتاج إلى قراءة أعمق؛ فالتمرير المفتاحي لا يعني بالضرورة أن الفرصة الناتجة عنه كانت محققة، كما أن جودة التمريرة تختلف بحسب موقع المستلم، ومدى الضغط الدفاعي، والزاوية المتاحة أمامه.
ومن هنا، ينبغي للجهاز الفني تحليل طبيعة الفرص التي يصنعها الفريق: هل تصل الكرة إلى المهاجم في وضع يسمح له بالتسديد مباشرة؟ هل يحتاج إلى لمسة إضافية؟ وهل يستقبل الكرة وظهره إلى المرمى، أم يكون قادرًا على التحرك باتجاه الشباك؟
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع فارقًا واضحًا في المباريات التي تتطلب التسجيل أمام دفاع متكتل.
ويحتاج الأهلي أيضًا إلى تحسين التفاهم بين لاعبي الوسط والهجوم، بحيث تتزامن التمريرة مع حركة المهاجم، بدلًا من وصول الكرة إلى اللاعب بعد أن يكون المدافع قد استعاد موقعه وأغلق المساحة.
كيف يستطيع الأهلي علاج المشكلة؟
يمكن التعامل مع الأزمة الهجومية المحتملة من خلال أربعة محاور رئيسية:
أولًا: التدريب على إنهاء الهجمات تحت الضغط
ينبغي تخصيص تدريبات تحاكي مواقف المباريات الحقيقية، بحيث يتعامل المهاجمون مع فرص سريعة داخل منطقة الجزاء، مع وجود مدافعين وضغط زمني يجبرهم على اتخاذ القرار المناسب دون تردد.
ولا يقتصر الأمر على التسديد بالقدم الأقوى، بل يشمل التسديد بالقدم الأخرى، والتعامل مع الكرات المرتدة، وإنهاء الفرص الناتجة عن العرضيات والتمريرات الأرضية.
ثانيًا: تقليل اللمسات غير الضرورية
في بعض المواقف، يمنح التردد أو الاحتفاظ بالكرة لفترة أطول المدافع فرصة للتدخل وإغلاق زاوية التسديد.
ويحتاج اللاعبون إلى اتخاذ قرارات أسرع داخل منطقة الجزاء، خصوصًا عندما تكون المساحة المتاحة محدودة، مع التمييز بين المواقف التي تتطلب التسديد المباشر وتلك التي تستدعي التمرير إلى زميل في وضع أفضل.
ثالثًا: تنويع الحلول الهجومية
يجب ألا يعتمد الأهلي على الاختراق من العمق أو العرضيات وحدها، بل يحتاج إلى الجمع بين التحركات خلف الدفاع، والتمريرات البينية، والتسديدات من حدود المنطقة، والزيادة العددية داخل منطقة الجزاء.
كما أن وجود لاعب يتحرك من الخط الخلفي إلى منطقة الجزاء قد يربك الرقابة الدفاعية، ويفتح مساحات أمام المهاجمين الأساسيين.
رابعًا: تقييم المهاجمين وفقًا لجودة قراراتهم
لا ينبغي أن يعتمد تقييم المهاجم على عدد الأهداف وحده، بل يجب أن يشمل عدد الفرص التي يصل إليها، وجودة تحركاته، ودقة تسديداته، ومدى مساهمته في خلق المساحات لزملائه.
فإذا كان اللاعب يصل باستمرار إلى مواقع خطرة لكنه يهدر الفرص، فالحل يختلف عن حالة مهاجم لا يتحرك بصورة صحيحة ولا يحصل على فرص كافية للتسجيل.
مواجهة كيتارا تقدم درسًا مهمًا قبل الإياب
على الرغم من إهدار عدد من الفرص، نجح الأهلي في العودة بالنتيجة من أوغندا، بعدما سجل عمر الساعي هدف التعادل، ثم أحرز زيزو هدف الفوز من ركلة جزاء، ليخرج الفريق بانتصار ثمين قبل مواجهة الإياب في القاهرة يوم 25 أكتوبر.
لكن الفوز لا يلغي الحاجة إلى معالجة التفاصيل الهجومية، خصوصًا أن إهدار الفرص قد يزيد الضغوط على الفريق إذا تأخر التسجيل، ويمنح المنافس وقتًا أكبر للاعتماد على الهجمات المرتدة ومحاولة خطف هدف.
وفي مباراة الإياب، سيكون من المهم أن يستفيد الأهلي من خبرة لاعبيه وقدرتهم على فرض السيطرة، مع تحويل الاستحواذ إلى فرص أكثر وضوحًا، وإنهاء الهجمات بكفاءة أكبر.
فكلما نجح الفريق في التسجيل مبكرًا، أصبح قادرًا على إدارة المباراة بصورة أفضل، بدلًا من الدخول في حسابات معقدة بسبب استمرار النتيجة دون تغيير.


التعليقات