أعاد قرار الجهاز الفني لمنتخب مصر إراحة محمد صلاح من مواجهة جنوب السودان، بسبب إقامة المباراة على أرضية من العشب الصناعي، فتح ملف قديم في كرة القدم العالمية، وهو هل اللعب على النجيل الصناعي يزيد بالفعل من مخاطر تعرض اللاعبين للإصابات؟
اتحاد كرة القدم أعلن أن الجهاز الفني بقيادة حسام حسن اتفق مع صلاح على عدم خوض مباراة جنوب السودان، المقرر إقامتها يوم 29 سبتمبر، بسبب أرضية ملعب المباراة "الترتان"، في قرار وصفه الاتحاد بأنه احترازي للحفاظ على اللاعب.
لكن بعيدًا عن قرار المنتخب المصري، ماذا تقول الأبحاث العلمية؟
المفاجأة أن الإجابة ليست بسيطة، فالدراسات لا تقول إن العشب الصناعي أخطر بشكل عام.
واحدة من أحدث وأكبر المراجعات العلمية في هذا الملف نُشرت عام 2023 في دورية "eClinicalMedicine"، بعدما راجع الباحثون 22 دراسة من أصل 1447 بحثًا جرى فحصها.
والنتيجة كانت لافتة، وجاءت تفيد بأن معدل الإصابات الإجمالي في كرة القدم كان أقل على العشب الصناعي مقارنة بالعشب الطبيعي.
وأظهرت المراجعة أن معدل الإصابات كان أقل لدى الرجال والنساء، وكذلك لدى اللاعبين المحترفين على وجه الخصوص، بينما لم يظهر اختلاف واضح لدى اللاعبين الهواة. كما سجلت الدراسة معدلات أقل لإصابات الحوض والفخذ والركبة على العشب الصناعي.
لكن الباحثين وضعوا تحفظًا مهمًا للغاية، وهو أنه من بين الدراسات الـ22 التي دخلت التحليل، قامت 5 دراسات فقط بضبط النتائج وفق العوامل المؤثرة الأخرى، وهو ما يعني أن جودة الأدلة ليست مثالية، وأن عوامل أخرى قد تؤثر في معدلات الإصابة.
بمعنى آخر، الدراسة لا تقول إن العشب الصناعي أكثر أمانًا بالضرورة، لكنها تقول إن البيانات المتاحة لا تدعم فكرة أنه أكثر خطورة بشكل عام.
إذن.. من أين جاءت مخاوف اللاعبين؟
مراجعة منهجية أخرى شملت 53 دراسة منشورة بين عامي 1972 و2020 توصلت إلى نتيجة مختلفة في أحد الجوانب المهمة.
فمع أن غالبية الدراسات الخاصة بالعشب الصناعي الحديث وجدت معدلات إصابة إجمالية متقاربة بينه وبين العشب الطبيعي، ظهرت إشارة متكررة إلى ارتفاع إصابات القدم والكاحل على العشب الصناعي.
وبحسب المراجعة، وجدت 14 دراسة من أصل 24 قارنت إصابات القدم والكاحل معدلات أعلى على العشب الصناعي، بينما وجدت 3 دراسات فقط معدلات أعلى على العشب الطبيعي، وهنا يمكن فهم جزء من مخاوف اللاعبين.
والمشكلة ليست بالضرورة أن اللاعب سيصاب أكثر طوال المباراة، وإنما أن نوع الإصابة المحتمل قد يختلف باختلاف السطح.
الحذاء هو أحد مفاتيح القضية
أحد التفسيرات العلمية يرتبط بالعلاقة بين حذاء اللاعب وأرضية الملعب.
ومراجعة منهجية درست تأثير تفاعل أحذية كرة القدم مع الأسطح المختلفة وجدت أن تصميم المسامير ونوع الحذاء يؤثران في الاحتكاك والضغط الواقع على القدم، كما أن بعض أنواع الأحذية قد تؤثر في الأداء والحركة أثناء تغيير الاتجاه.
وهذه النقطة مهمة في كرة القدم الحديثة؛ لأن اللاعب لا يتحرك في خط مستقيم فقط، وإنما يقوم باستمرار بالتوقف والانطلاق وتغيير الاتجاه والالتفاف بسرعة.
كلما تغيرت طريقة تماسك الحذاء مع الأرض، تتغير كذلك طريقة انتقال القوة خلال القدم والساق.
لكن هذه العلاقة لا تعني تلقائيًا أن العشب الصناعي يؤدي إلى إصابة.
إنها تعني أن السطح والحذاء وطريقة الحركة كلها عوامل مترابطة.
ماذا حدث في كرة القدم الأوروبية؟
دراسة مبكرة تابعت لاعبين من 10 أندية أوروبية محترفة كانت تستخدم الجيل الثالث من العشب الصناعي، وقارنتهم بفرق تلعب على العشب الطبيعي.
لم تجد الدراسة زيادة في معدل الإصابات الإجمالي على العشب الصناعي، سواء في التدريبات أو المباريات.
لكنها وجدت ارتفاعًا في معدل التواء الكاحل خلال المباريات على العشب الصناعي، إذ بلغ المعدل 4.83 إصابة لكل 1000 ساعة مباراة، مقابل 2.66 على العشب الطبيعي.
وفي الوقت نفسه، لم يظهر اختلاف في شدة الإصابات بين السطحين.
إذن مرة أخرى تظهر الصورة نفسها، معدل الإصابات الإجمالي لا يرتفع بالضرورة، لكن بعض أنواع الإصابات قد تتغير.
الدوري الأمريكي يقدم إجابة أخرى
دراسة اعتمدت على بيانات إصابات الدوري الأمريكي لكرة القدم "MLS" على مدار أربع سنوات سجلت 2174 إصابة خلال المباريات.
بلغ المعدل 1.54 إصابة في المباراة على العشب الصناعي، مقابل 1.49 إصابة على العشب الطبيعي.
الفارق الإجمالي لم يكن ذا دلالة إحصائية، لكن الباحثين وجدوا معدلات أعلى لإصابات الكاحل وإصابات وتر أخيل وكسور الكاحل على العشب الصناعي، بينما لم يظهر فرق إحصائي واضح في إصابات الركبة.
وهذه الدراسة تدعم الفكرة نفسها: الاختلاف الأكبر قد يكون في مكان الإصابة وليس في العدد الإجمالي للإصابات.
وماذا عن الرباط الصليبي؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، فهناك مراجعة منهجية وتحليل تجميعي بحثا تحديدًا في إصابات الرباط الصليبي الأمامي لدى لاعبي كرة القدم.
وعند جمع اللاعبين من الجنسين، لم يظهر اختلاف ذو دلالة إحصائية في خطر إصابة الرباط الصليبي بين العشب الصناعي والطبيعي.
لكن عند تحليل اللاعبات تحديدًا، ظهر ارتفاع ذو دلالة إحصائية في خطر إصابة الرباط الصليبي خلال المباريات على العشب الصناعي، بينما لم يظهر الاختلاف نفسه لدى اللاعبين الرجال.
وهذا مثال مهم على ضرورة عدم تعميم نتيجة دراسة واحدة على كل لاعبي كرة القدم.
لكن هناك دراسات تقول العكس
ولأن الصورة العلمية ليست باتجاه واحد، فهناك أيضًا أبحاث وجدت مخاطر أعلى على الأسطح الصناعية في رياضات أخرى.
دراسة كبيرة على لاعبي دوري كرة القدم الأمريكية "NFL" بين 2012 و2016 وجدت ارتفاعًا بنسبة 16% في إصابات الأطراف السفلية لكل لعبة على العشب الصناعي مقارنة بالعشب الطبيعي.
لكن هذه الدراسة تخص كرة القدم الأمريكية، وليس كرة القدم التي يلعبها صلاح، وبالتالي لا يمكن نقل نتيجتها مباشرة إلى كرة القدم الأوروبية أو الإفريقية.
وهنا تكمن أهمية التفريق بين الرياضات، وبين أنواع الملاعب الصناعية، وبين مستويات المنافسة.
حتى الخوف من الاحتكاك ليس محسومًا
هناك جانب آخر يتعلق بالسحجات الجلدية الناتجة عن الاحتكاك بالسطح، لأن مراجعة منهجية درست إصابات السحجات على العشب الصناعي وجدت اختلافًا كبيرًا بين الدراسات في معدلات هذه الإصابات، بسبب اختلاف تعريف الإصابة ونوع الملعب وظروف سطحه.
لكنها رصدت شيئًا مثيرًا، وهو أن اللاعبين ينظرون إلى السحجات باعتبارها واحدة من أبرز سلبيات العشب الصناعي، رغم أن الأدلة العلمية حول حجم المشكلة ليست بنفس قوة هذا الاعتقاد.
وهذا يضعنا أمام فجوة بين "إحساس اللاعب بالسطح" وبين ما تستطيع الدراسات إثباته.
إذن.. هل صلاح معرض للإصابة أكثر؟
هنا يجب التوقف، لا يمكن استخدام الدراسات السابقة للقول إن محمد صلاح كان سيصاب لو شارك أمام جنوب السودان، كما لا يمكن اعتبار قرار إراحته دليلًا على أن العشب الصناعي أخطر طبيًا في كل الحالات.
قرار الجهاز الفني قرار احترازي، والاتحاد المصري قال صراحة إن الاتفاق مع اللاعب على عدم خوض المباراة جاء للحفاظ عليه، والأبحاث نفسها لا تقدم حكمًا واحدًا.
لدينا مراجعة حديثة وجدت معدل إصابات إجمالي أقل على العشب الصناعي، ولدينا مراجعات ودراسات أخرى تشير إلى معدلات أعلى لبعض إصابات القدم والكاحل، بينما تظهر نتائج إصابات الركبة والرباط الصليبي بصورة أكثر تعقيدًا.
لا توجد قاعدة علمية تقول إن اللاعب معرض للإصابة بشكل عام لمجرد أنه يلعب على العشب الصناعي.
لكن هناك أدلة تشير إلى أن نوع السطح قد يغير نمط بعض الإصابات، خصوصًا إصابات القدم والكاحل، كما أن تفاعل الحذاء مع الأرض وطريقة تغيير الاتجاه والأحمال الميكانيكية عوامل يجب وضعها في الاعتبار.
كما أن "العشب الصناعي" ليس نوعًا واحدًا؛ فقد تطورت أجياله وتصميماته وطرق صيانته، وهو ما يجعل مقارنة ملعب صناعي حديث عالي الجودة بملعب قديم أو سيئ الصيانة مقارنة غير دقيقة.


التعليقات